الثلاثاء، 7 أغسطس 2018

درس الإحسان من سورة يوسف


قال الله تعالى: "وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (56) وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ".
فهاتان آيتان من كتاب الله جل وعلا، من سورة يوسف عليه السلام، تلخص لنا درسًا عظيمًا من دروس هذه السورة، ومن دروس القرآن الكريم، وهذا الدرس –في نظري- هو مدار قصة يوسف عليه السلام، وحجر أساسها، ألا وهو درس الإحسان!
فالنهاية السعيدة لرحلة الشقاء التي مر بها نبي الله يوسف –عليه السلام- كانت جزاءً له على إحسانه، "وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان"!.
لقد دلّنا تكرار لفظ (المحسنين) في سورة يوسف أكثر من غيرها من سور القرآن الكريم على أن موضوع هذه السورة الإحسان، فقد تكرر لفظ المحسنين في تلك السورة خمس مرات، بينما لم يتجاوز في غيرها الثلاث مرات.
إن الإحسان مرتبةٌ يبلغها المؤمن بعمله وإخلاصه، وقد بينها النبي محمدٌ –صلى الله عليه وسلم- بما يُغني عن أي تأويل أو تفسير، حيث قال –كما في الصحيح-: "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك"، وقد تجسد هذا المفهوم للإحسان في يوسف عليه السلام، وبلغ ذروته عندما راودته التي هو في بيتها عن نفسه فاستعصم بربه حتى رأى برهانه رأي العين "كأنه يراه"، وهو قوله تعالى: "وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ".
لقد مكّن الله ليوسف في الأرض برحمته التي وسعت كل شيء، فرحمة الله ليست قاصرةً على مخلوقٍ دون آخر، بل هي شاملةٌ لكل شيءٍ، يصيب بها من يشاء كيفما يشاء وبالقدر الذي يشاء، فهي غير مشروطةٍ بعملٍ ولا اعتقاد، لكنها تصيب المحسنين حتمًا، وهذا معنى قوله تعالى: "ولا نضيع أجر المحسنين".
لقد مكّن الله ليوسف في الأرض، حتى أنه بات سيدًا مطاعًا، يتبوأ من الأرض حيث يشاء، وهذا من عظيم الأجر في الدنيا لمن أصابه الله برحمته، ولمن أحسن عملا واعتقادًا، وهذا الجزاء العظيم في الدنيا ليس بشيء إذا قورن بما ادخره الله للمحسنين المؤمنين المتقين في الآخرة، فأجر الآخرة "خيرٌ للذين آمنوا وكانوا يتقون".
والإحسان –كما أسلفنا- تجسد في سورة يوسف على نحوٍ جليَ، فيوسف –عليه السلام- مجبولٌ على الإحسان، فكان جزاؤه أن آتاه الله حكمًا وعلما، قال الله في كتابه الكريم : "وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ"، وربما يكون المقصود بالمحسنين في هذه الآية بالذات الذي اشتراه من مصر وامرأته، فهكذا يفيدنا السياق القرآني، حيث قال الله تعالى:" وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ"؛ ثم جاء قوله تعالى: "وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ" فإكرام المثوى، أي حسن التربية والتعهد بيوسف هما من إحسان تلك الأسرة، فكان جزاؤها أن بارك الله في من قاموا بتربيته، ليعود جانبٌ من النفع عليهما.
كما شهد على إحسان يوسف –عليه السلام- رفاقه في السجن، قال تعالى: "وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ". وشهد على إحسانه إخوته، وهم لا يعرفونه، حيث قالوا: "قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ".
كما علم يوسف أن الإحسان هو ما أوصله إلى ما هو فيه من مكانة، وهو قوله تعالى: "قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ".
إن وجوة الإحسان كثيرة، جماعها تعريف النبي –صلى الله عليه وسلم- له بأنه عبادة الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، والإحسان بهذا المعنى مرادف للتقوى، وهذا هو معناه الشرعي، لكننا في المعنى العام نجد بينه وبين التقوى عمومًا وخصوصًا، فالتقوى تشمل الإحسان، وقد يكون الإنسان محسنًا لكنه غير متقٍ، كما هو الحال في إحسان غير المسلمين.
إن الإحسان خلقٌ جُبل عليه الخلق، وكما في صحيح مسلم: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء" الحديث، فمن ترك الإحسان فقد ترك أمرًا من الفطرة، لذا تجده عند غير المسلمين، فالإتقان الذي يتميز به الغرب في صناعاتهم، والانضباط الذي يتميز به اليابانيون في حياتهم، والكد والعمل الجاد الذي يتميز به الصينيون، وغير ذلك هي وجوه من الإحسان، لو عملها المسلم مبتغيًا بها مرضاة الله لكان عند الله محسنًا! كما أن الإنعام على الغير إحسان، لكن الإحسان أشمل، فالإنعام يكون على الغير لا على النفس، فما كان على النفس لا يسمى إنعامًا بل هو إحسان، والنفع كذلك قد يكون إحسانًا وقد لا يكون، فقد ينتفع المرء بخطأ عدوه، ولا يُسمى هذا إحسانًا، أما نفع الصديق والقريب فهو من قبيل الإحسان.
خلاصة الدرس: أن الإحسان خلق من أخلاق الفطرة، لا تستقيم الحياة بدونه، وهو عند المسلمين مرادفٌ للتقوى، فهو ليس مجرد خلق بل هو دين، يرتجي العبد به مرضاة ربه، ويخشى بتركه سخط ربه وعقابه، لذا فالمسلمون أولى الناس بهذا الخلق، وكان من المفترض أنهم أكثر أهل الأرض تمسكًا به.
ونختم الدرس بسؤال: لماذا أحسن غير المسلمين، فبلغنا إحسانهم؟ بينما تراجعنا فلم يصل من سيرتنا سوى ما يندى له الجبين؟!!!
   
       

الخميس، 19 أبريل 2018

من نكت القرآن الكريم

من نكت القرآن الكريم
يوم القيامة ؛ لا يؤخذ العدل ولا يقبل، ولا تُقبل الشفاعة ولا تنفع
قال تعالى:
(وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ)، [سورة البقرة 48].
وقال في موضعٍ آخر من ذات السورة:
(وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ).
فالآيتان تكررتا مع اختلافٍ يسير، وبمجموعهما فإن المعنى المراد:
 اتقوا يوم القيامة الذي لا يُؤخذ العدل فيه أي الفداء، ولا يُقبل. كما لا تقبل فيه الشفاعة ولا تنفع!
وقد خصصت هاتان الآيتان بأحاديث الشفاعة الثابتة لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم دون غيره. والله أعلم.
د. عبد المجيد قاسم
         2018م


الاثنين، 29 يناير 2018

فلسفة العفو


أمر الله تعالى رسوله الخاتم، محمد صلى الله عليه وسلم في آية من القرآن الكريم بثلاثة أشياء، فقال له: "خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين".
فالعفو لا يكفي فيه مجرد الأمر والنهي، بل يحتاج إلى قدوة، لذا فلم يأمر الله نبيه -صلى الله عليه وسلم- بأن يأمر به، بل أمره بأن يأخذ به، فيكون قدوةً لأمته.
إن الإنسان يعلم أنه إلى زوال وفناء، ومع ذلك، يعمل ويتكلم كما لو كان خالدا مخلدا في هذه الدنيا. ربما لو علم أنه روح ٌ تسكن آلةً، وأن سعادته كيمياء، وحزنه كيمياء، وشجاعته كيمياء، وخوفه أيضًا كيمياء، فكل مشاعره التي تتحكم في قرارته، هي مجرد مواد تفرز لتولد له تلك المشاعر، ربما لو عرف ذلك لأشفق على نفسه وعلى غيره، ولتغيرت نظرته إلى الأمور كلّها.
إن فهم كنه الإنسان جزءٌ من فهم الحياة، وفهم الحياة هو السبيل إلى الوقاية من أمراض النفس التي تسلبنا لذة هذه الحياة.
انظر مثلا إلى مستعمرة النمل التي قد تفوق أو على الأقل تساوي في تعقيدها الحياة في مستعمرات البشر، فمستعمرة النمل مملكة لها ملكتها التي تناضل من أجل سياسة شعبها، وترقب عن كثب نشأة من سيرثون عرشها، وفي المملكة وزراء، وقادة، وجنود، وعمال، ولديهم معشر النمل مخازن لتخزين الطعام، فلديهم همّ الأمن الغذائي، وقد يقتحم المملكة عدو، فيذود عنها المئات بأرواحهم، وقد تحتاجها المياه، فيضطرون إلى النزوح، مع ما يلزم ذلك من محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه من ثروة المملكة. كل هذا يحدث في شقٍ صغير في أرضية حجرة صغيرة بحي صغير ضمن ضاحية مدينة من آلاف المدن التي تعج بالبشر الذين هم أيضا مستعمرات، لها حاكم، ووزراء، ولهم قادة وجنود، ويهمهم أمنهم الغذائي، وقد تجتاحهم المياه فيضطرون إلى النزوح! وربما لو نظرنا إليهم من أعلى لوجدناهم يعيشون في شق صغير، من كون أوسع، داخل كونٍ أوسع، وهكذا إلى ما لا نهاية، وأن دنيانا، وأخرانا، وقيامتنا، وحسابنا، كلها جزء من يوم واحد من زمن أشمل، قال خالق كل شيء: (تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ)، [سورة المعارج 4].
إن الأمر يحتاج إلى تدبر وتفكر، يحتاج إلى تدقيق في الصورة لتضخ معالمها، عندها فستعذر كل مخطئ أخطأ في حقك، وكل مسيء أساء لك، ستعذر زوجتك ولن ترى تقصيرها إهمالا لك، وستعذر ابنك وهو يتبرم من أوامرك ونواهيك، وستعذر صديقك وأنت تراه معرضا عنك دون سبب، لأنك ستجد أن كل إنسان عالم منفرد، يسبح في بحره، ويطير في سمائه، وفي البحر أمواج عالية، وفي السماء رياح عاتية،  وأنه ليس له من أمره شيء، وأن خالقه أعلم به، لذا فقد أرشده، وأرسل له رسلا مبشرين ومنذرين، وأنه تعالى كتب على نفسه الرحمة، وأن طوق النجاة في متناول اليد دائما لمن أراد النجاة.
د. عبدالمجيد قاسم
سرت- 14 ذو الحجة 1438هجري، 5/9/2017

الثلاثاء، 19 سبتمبر 2017

الصراط المستقيم

الصراط المستقيم

استهل الله العزيز كتابه بذكر الصراط المستقيم.. وذلك في فاتحة هذا الكتاب.. مما يعني أن البحث عن دلالة هذا الصراط مندوبة، إن لم تكن واجبة. وقد وجد أن دلالات الصراط المستقيم في كتاب الله تكاد تنحصر في واحدة، وهي طريق الحق، وقد وردت مفردة الصراط في القرآن الكريم مراتٍ عديدة، ربت على الأربعين مرة، اقترنت  في خمسٍ وثلاثين منها تقريبا بصفة مستقيم.
والناظر يجد أنّ الله -جلّ وعلا- قد وضع قوانين ليسير عليها الكون، الذي هو العالم المحسوس، والقانون لا يكون كذلك إلا إذا كان مضطردًا، أي يتكرر على نحو منضبط، ومن بين هذه القوانين ما يمكن تسميته بقانون الصراط المستقيم، فمعلوم أن أقصر مسافة بين أي نقطتين في الكون هي صراطٌ أو خطٌ مستقيم، لذا فالكون عبارةً عن خطوطٍ مستقيمة، ولا يستقيم بناءٌ إلا إذا كانت أعمدته وجدرانه خطوطا مستقيمةً متعامدة، ولا يتحرك الضوء إلا بشكل أشعةٍ مستقيمة..
وقد أراد الله لنا أن نسلك طريقا مستقيما نحو الجنة، فرسم لنا دعاءً نكرره في اليوم والليلة سبع عشرة مرة، "اهدنا الصراط المستقيم"، الذي هو صراط الذين أنعم الله عليهم! لأن في الدنيا طرقا شتى، والاهتداء إلى المستقيم من بينها، يحتاج إلى توفيقٍ من الله.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : خَطَّ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا خَطًّا، ثُمَّ قَالَ : "هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ". ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، ثُمَّ قَالَ : "هَذِهِ سُبُلٌ، عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ". ثُمَّ تَلَا:"وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ".
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) [سورة الفاتحة 1 - 7]
د. عبد المجيد قاسم
28 ذو الحجة 1438هجري. 18 سبتمبر2017م.سرت

الخميس، 27 أبريل 2017

الشخصية الليبية بين المسموع والمقروء


تلعب المعلومة دورًا جوهريًا في تشكيل شخصية الإنسان الذي هو بناء عضوي وفكري،  وقد اصطلح على تسمية البناء الفكري، أو بحر الأفكار الذي يسبح فيه الإنسان في مجتمع ما باسم الثقافة، تلك التي تجد روافدها في مجموعة المعتقدات، والعادات، والممارسات التي تسود بين الجماعة البشرية التي يحيط بها سياج واحد من اللغة، ثم الدين، ثم العادات ويميزها عن غيرها.
لقد بدأ الإنسان أول ما بدأ بتعلم ما ينبغي عليه تعلمه من غيره ممن سبقه في الحياة على كوكب الأرض بطريق السماع، ثم ما لبث أن احتاج الإنسان إلى طريقة يختزل بها سلسلة متراكبة من المعلومات والخبرات فاخترع الكتابة، وبات القلم هو الوسيلة الأبقى لنقل العلوم وتعلمها، وبات المقروء الركن الأقوى في عالم المفهوم، جنبًا إلى جنب مع ما هو مسوع، وما هو مُلهم، واحتاج الإنسان لكي تكتمل شخصيته إلى تعلم الكتابة والقراءة، وبات البشر يصنفون حسب تمكنهم من أدوات الإحاطة بما هو موجود حولهم، فالمتعلمون أكثر قدرة ورقيًا من الأميين، والأمي أكثر قدرة ممن فقد القدرة على التعلم.
في المجتمعات ومن خلال التطور الذي حدث في وسائل التثقيف والتوعية وجد تفاوتٌ ثقافي سببه مدى تأثير تلك الوسائل، ومدى انتشارها، وقد ترتب على ذلك وجود تفاوت في عدد المبدعين في مجالات الأدب والكتابة من مجتمع إلى آخر، فالإبداع الأدبي يحتاج إلى تحفيز، ولن يتم هذا التحفيز دون وجود متلقين، لأن حقل الإبداع الأدبي هو نفوس المتلقين الذين تتفاوت وسائل تلقيهم من مسموع إلى مقروء، ومن خلال تلك الوسائل ومدى انتشار كل منها تتحدد نوعية المادة الإبداعية التي تسود في المجتمع وتساهم في تكوين شخصية الإنسان في هذا المجتمع.
في ليبيا، ولطبيعة المجتمع الليبي، كان التركيز أكثر على المادة المسموعة لا المقروءة، لذا فإن المربوعة (وهي حجرة الضيوف)  تمثل نقطة محورية في بلورة الشخصية الليبية، وقد ترتب على ذلك اختلاف سمات هذه الشخصية عن غيرها من دول الجوار التي لعبت فيها المادة المقروءة (الجرائد بالمقام الأول) الدور الأكبر في بلورة الشخصية، فقد اتسمت الشخصية الليبية بسرعة التأثر بالإشاعة على سبيل المثال، وكانت في ذلك أكثر من غيرها، وربما أيضًا وجدنا أن السمة العامة للشخصية الليبية هي تحكم المزاج حتى في القرارات السياسية، نتيجة التعود على الوثوق بما تتلقاه الأذن، ويكون تأثيره أسرع، وأقل استمرارا، بخلاف ما اعتاده غيرهم من ضرورة أن تكون المعلومة مكتوبة لتصبح مادة للتعاطي.
لقد انعكس طغيان ثقافة المسموع لا المقروء في ليبيا على عدد المبدعين في مجال الكتابة، فهم أقل بكثير، من حيث النسبة والتناسب، من أضرابهم في دور الجوار، وبالمقابل فإن ضروب الإبداع الشفهي هي الأكثر شيوعًا في ليبيا، لذا فعدد الشعراء الليبيين في مجال الشعر الشعبي أكثر بكثير من عدد الشعراء الشعبيين في مصر، وفي تونس، وفي السودان، فلا يكاد يوجد بيت في ليبيا إلا وبه من يقرض الشعر الشعبي، وقد انحصرت الكثرة في الشعر الشعبي دون الفصيح لذات السبب، وهوأن الفصيح يحتاج إلى قراءة، بينما الشعبي مسموع أكثر منه مكتوبًا.
إن تغيير نمط الثقافة من تقافة المسموع إلى المقروء أمر مهم للنهوض بالمجتمع وإحداث تغيير إيجابي في نمط الشخصية ذاتها، والتاريخ شاهد على أهمية القراءة والكتابة، وعلى ارتباطهما بالحضارة والتمدين والاستقرار، وقد أحدثت القراءة طفرة في المجتمع العربي البدائي الذي كان سائدًا قبل الإسلام، وذلك بفضل القرآن الكريم الذي هو (كتاب) مقروء، وتحولت الشخصية العربية من شخصية مهتزة إلى شخصية راسخة ساهمت في التطور الإنساني بشكل عام، لذا فمن واجب الجهات المعنية بالثقافة في ليبيا أن تغير من نمط المجتمع الليبي الثقافي، وهذا لا يتم فقط عبر نشر دور للقراءة كالمراكز الثقافية، فهذه الطريقة لا تفيد كثيرا في تغيير نمط الثقافة لدى الليبيين، الأمر يحتاج إلى جعل القراءة حاجة في ذاتها، حاجةترتبط بها باقي الحاجات الرئيسة، وستكون للمبدعين الفرصة في إيجاد مجال لنشر إبداعاتهم، وستكون الفرصة لولادة مبدعين جدد.

الثلاثاء، 3 يناير 2017

خاطرة حول الإسراء والمعراج

كلنا أو جلنا يعرف رحلة الإسراء والمعراج، فهي الرحلة التي تتكون من شقين، الأول وهو الذهاب بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس، حيث صلى النبي به صلاةً أمّ فيها الأنبياء كلهم، والأخرى رحلته صلى الله عليه وسلم في السماء، وكان يلتقى في كلّ سماءٍ بنبيٍ من الأنبياء عليهم أجمعين السلام.
انطباعي هو أنه فيما يخص الشق الأول فقد سافر النبي مخترقا حاجز المكان، وقد جاء إليه الأنبياء بطريق السفر عبر الزمن، فكلٌ منهم قد انتقل عبر الزمن وسافر وهو في زمن بعثته إلى المستقبل، ليلتقوا جميعا بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم، وقد صلى بهم إمامًا لأنه أولاً مقيم في الزمن وهم مسافرون،  ولأنه صاحب الزمن وهم غرباء عنه، فكانوا بمثابة الضيوف وهو صاحب البيت. كما أنه يحمل القرآن ولا يحملونه، فلذا تقدمهم وصلى بهم. ثم جاءت رحلة الإسراء وقد تمت عبر البراق، وهو دابة سريعة ربما بسرعة الضوء، ولذا سُمّيت براقًا، وقد سافرت بالنبيّ ومعه جبريل عبر الزمن، والسموات هي مستويات زمنية مختلفة، فلقاؤه إبراهيم الخليل في السماء الأولى تم برجوعه صلى الله عليه وسلم عبر الزمن إلى زمن إبراهيم عليه السلام، وهكذا الأمر بالنسبة إلى باقي الأنبياء الذين التقاهم، فلقاء النبي صلى الله عليه وسلم بباقي الأنبياء في هذه الرحلة لم يكن لقاء حي ٍبموتى وإنما كان لقاء أحياء، كلٌ في زمنه، وهذا من عجيب قدرة الله جلّ وعلا. ثم ما رآه النبي من صور عذاب أهل النار؛ فقد رأى اناسًا يعذبون حقًا، ولم تقم قيامة، ولا جاء يوم الحساب، ولم تبدل الأرض غير الأرض ولا السموات؛ فكيف رأى هذا؟ رآه بسفره عبر الزمن، أي إلى زمن الآخرة، وقد رآه حقا.. والله أعلم.

الخميس، 8 سبتمبر 2016

خلاصة حكم الأضحية عند المالكية



حكمها:
سنة مؤكدة على كل مسلمٍ، حرٍ، غير حاج، وغير فقير.  
وقتها:
بعد صلاة العيد حتى غروب يوم الثالث من أيام النحر، ولا تُذبح ليلا.  
الأصناف:
الغنم، أو المعز، أو البقر، أو الإبل، والأفضلية على الترتيب المذكور.
السن:
-        المشهور في المذهب أن الضأن يجزي منها ما بلغ العام، وقال البعض يجزي ما بلغ الستة أشهر، وقيل ثمانية، وقيل عشرة، لاختلافهم في تحديد معنى الجذعة من الضأن، فالحديث نصه: "لا تذبحوا إلا مسنة، إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن".
-        والمعز ما بلغ العام وشرع في الثاني شروعًا بينّا كشهر.  
-        وفي البقر ما بلغ ثلاث سنوات ودخل في السنة الرابعة.
-        وفي الإبل ما بلغ خمس سنوات ودخل في السادسة.
الاشتراك:
-        لا يجوز الا شتراك في ثمن واحدة الضأن وواحدة المعز، ويجوز التشريك في الأجر كأن ينوي الشخص التضحية عن نفسه وغيره، بشرط أن يكون من أشركه في الأجر قريبًا له، وينفق عليه، ويسكن معه.
-        يجوز الاشتراك في ثمن واحدة الإبل وواحدة البقر، سبعة أشخاص فما دون.   
العيوب المانعة:
-        الجنون- البكم- العرج البين- العور- البشم- المرض- البخر- البتر- الجرب- الهزال- يبس الضرع- إدماء القرن، والصمع وهو أن تكون الأذنان صغيرتين جدًا، وكذا إذا ذهب أكثر من ثلث الأذن.