الجمعة، 13 سبتمبر 2019

مناجاة

تداركَ لحظُك الأخّاذُ قلبي .. بسهمٍ وقتما أزِفَ الفراقُ
فوافقَ خاليًا من كلّ خلٍ .. وإن كثُر المعارفُ والرفاقُ
بقلبي قد تملّك منه شطرا .. وشطرٌ للجوى فهو الوجاقُ
كتبت الشعرَ أسلو بعد شوقٍ .. فكان مدادُه دمعًا يُراقُ
كأنّي اليومَ أزجيتُ المطايا .. يُراودُني حنينٌ واشتياقُ
إلى المختارِ سيدِنا النبيّ .. هو الماحي إذا عمّ النفاقُ
تلألأ في سماءِ الدّهر بدرًا .. وليس لنوره أبدًا مَحَاقُ
مكثتُ أمامَ روضتِه قليلا .. كعبدٍ آبَ أضناه الإباقُ
وقد ضاقتْ عليه الأرضُ ضيقًا .. وضيقُ الأرض شيءٌ لا يُطاقُ
وأعياني البيانُ وصار جسمي .. كأن بكاحلي شُدّ الواثقُ
وناجيتُ الإله أيَا إلهي .. أيا رحمنُ وإليك المساقُ
تسابقتِ الرّكابُ إليك ترجو .. رضَاك وإنّه نعم السباقُ
ظلمتُ النفسَ فاغفر يَا إلهي .. فليس لظالمٍ أبدًا خلاقُ
هي الدُّنيا ديارٌ ليس تبقى .. ويبقى الذكرُ منها والرقاقُ
بعثتَ مُحمدا فينا رسولا .. فما أثناه صدٌ أو شقاقُ
على كتفيه قد ألقيتَ حِمْلا .. تنوء بحمله السبعُ الطباقُ
فبلَّغَ ما أردتَ وقدْ رضِينا .. لترضى حينما يأني الفراقُ
فصلّ عليه يا الله دوما .. لعل بفضلها كان العتاقُ

                  د. عبدالمجيد قاسم
سرت.. ليبيا.. 5 سبتمبر 2019م





الثلاثاء، 28 مايو 2019

الجنة التي هبط منها آدم، في السماء أم في الأرض؟


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي الأمين وعلى آله وصحبه وبعد.
نحن -بني آدم- نعلم مما احتوته رسائل الخالق أننا أبناءٌ لأب واحد وأم واحدة، وهما آدم وحواء عليهما السلام.
ونعلم أن الله خلق آدم خليفةً في الأرض، خليفة لمن سبقه عليها وانقرض، فالخليفة لا يكون إلا لغائب، فلا يمكن أن تنصرف الخلافة لله –جل وعلا- فهو موجود لا يغيب، وحي لا يموت.. الخلافة إذن هي لمخلوقٍ كآدم، كان على الأرض واندثر، وكان من صنف آدم، ولذلك عندما قال الله للملائكة: "إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً"، قالوا: "أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ"، والخبر في سورة البقرة، فكان هذا دلالةً على أن الملائكة قاسوا حال من سيكون بحال من كان، وعلموا أنهما سواءٌ في الخلقة، بدليل "ويسفك الدماء"، فتساءلوا سؤالا ظاهره الاستنكار، وهذا لا يكون في حق الملائكة، بل هو سؤال تعجب، يريدون أن يعلموا الحكمة من وراء قضاء الله تعالى.
وقد خلق الله آدم وأسكنه الجنة، قال تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (البقرة: 35)، وجاء في سورة الأعراف: ﴿وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (الأعراف: 19).
والآيتان بهما أمران ونهي: فأما الأمران، فهما اسكن، وكُلا، فقد أمر الله آدم بأن يسكن الجنة، وأن يأكل منها، والأمران للإباحة، أباح الله لهما الجنة سكنًا ورزقًا، ولا يُفهم أن الأمر كان للتخيير، بين أن يسكن وألا يسكن، بل هو للتقرير. وأما النهي، فهو قوله تعالى: " وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ".
والسؤال الذي يطرح نفسه: هل الجنة التي وعد الله عباده المتقين، والتي هي في مكان لا يصله أحد، كما ورد في سورة النجم: "﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾، هل هي دار ابتلاء؟! فإذا كان الجواب بنعم، فستردنا الآيات التي يُفهم منها أن جنة المأوى ليست دار ابتلاء، منها قوله تعالى ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ (الحجر: 48)، وإذا كان الجواب بلا، ليست دار ابتلاء! فالجنة التي أسكن الله آدم إياها ليست هي دار الخلد التي في السماء، بل هي جنة أخرى، قد تكون على الأرض، وهذا أظهر لقوله تعالى: "إنّي جَاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً".
أيضًا سياق القصة في القرآن يبين أن الجنة التي كان آدم فيها ليست جنة الخلد، بل هي جنة على الأرض، فسبب الخروج من الجنة هو الرغبة في الخلود والرغبة في الملك، فكيف يكون هذا في جنة الخلد؟! قال تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ (الأعراف: 20)، وقال: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾  (طه، 120).
أيضًا وجود الشيطان ذاته في الجنة، ينفي عنها أنها الجنة التي وعد الله عباده المتقين.
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾  (طه: 119)، دليل على أن الجنة هي من جنان الأرض، لأن تضحى تعني: تصيبك شمس الضحى، وهذا لا يكون سوى في الأرض، أو ما يشبه الأرض.
أما عن لفظي الهبوط والأرض، وقوله تعالى: "وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ (البقرة: 36)، والذي قد يفهم منه أنهما، أي آدم وحواء، لم يكونا على الأرض، بل هبطا إليها، فهذا نظيره قوله تعالى: "اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ"، وقوله تعالى:"وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا"، (الإسراء: 104).
أخيرًا أنوه إلى أن هذا الموضوع تحدث فيه كثيرٌ من العلماء والمفسرين، والجمهور منهم على أن الجنة التي أُخرج آدم منها هي جنة الخلد التي في السماء، وبعضهم يرى أنها جنةٌ في مكانٍ آخر، ليست على الأرض، وليست جنة الخلد، والقليل من يرى ما حاولت إثباته في هذا المقال، وعمومًا فإن هذا الموضوع لا يضر الجهل به، والخلاف فيه سائغ.
والله أعلم
د.عبدالمجيد قاسم
23 رمضان 1440ه
28/5/2019م

الأربعاء، 1 مايو 2019

النقاب (قصة قصيرة)


النقاب
(قصة قصيرة)
                                                        د. عبدالمجيد قاسم
كانت لدمامتها محل ازدراء البعض، وموضع شفقة البعض الآخر، وكان إخوتها الذين لم يكونوا أجمل منها لولا أنهم ذكور، و(الذكر ما يعيبه شي) في الثقافة المحلية ينعتونها بالشينة!
كانت ترى قبحها في عيون المدرسات في المدرسة، وفي عيون زميلاتها، بل وفي عيون عاملات النظافة اللواتي ربما قذفت إحداهن بتلك العبارة التي عرفت حليمة معناها مبكرًا (خلقة ربي)، أو(تستور ملايكتها)..
لم تكن تتحدث كثيًرا مع أحد، فالحديث إذا كان بصحبة واحدة أو أكثر من زميلاتها لا يتوجه إليها، والعيون إذا نظرت إليها تشيح عنها بسرعة البرق، ومقعد الدراسة لم يكن يشاطرها فيه أحد سوى من هن في مرتبة قريبة منها، وجلوسها دائما في آخر مقعد، فزميلاتها يمنعنها الجلوس بجانبهن في المقاعد الأول.
كانت حاجياتها، وأدواتها المدرسية، وحقيبتها، أقرب إليها من البشر المحيطين بها، وكثيرا ما كانت تشعر بأن بينها وبين تلك الأشياء لغة لا يعيها سواها، وأنها أقرب إليها من غيرها.
كبرت حليمة، وشبت، وهي تضمر في نفسها لوعةً وحرقةً منعتها حتى من الوقوف أمام المرآة بسبب ما تراه في نفسها ويراه الآخرون فيها، وحتى ذاك الشاب الذي كانت تشعر بميول تجاهه، وكان يعمل بالمحل المقابل لبيتها، كان هو الآخر يهرب بنظراته عنها كلما التقت عيناها بعينيه، ولم تكن تدري أعن شعور يبادلها أياه؟ أم عن ازدراء لها؟!
لم يكن الأمر برغم وقعه عليها، يصل بها إلى درجة البكاء، لكنها كانت دائمة التفكير فيه، وكانت أحيانًا تقرر أنها لن تخرج من البيت، وفي أحيان كثيرة وهي في مرحلة الطفولة كانت تدعي المرض كي لا تذهب إلى المدرسة، وكانت أيام العطلات أفضل أيامها، ليس لأنها متعثرة في الدراسة، بل لأن المدرسة باتت سجنها الانفرادي، وهي ترى نفسها وقد أحاطت بها قضبان الإبعاد، والإقصاء.
إن الغربة التي عاشتها حليمة هي التي جعلتها في يوم من الأيام تقرر أن تضع بينها وبين المجتمع سياجًا حقيقيًا يحجب دمامتها عن أعين الناس، لقد قررت أن تحجب عن الناس ما كان يمثل لها وصمة عار، قررت أن تكون الأنثى بصوتها وهيئتها لا بوجهها وملامحها، قررت أن تغزو هذا العالم المحيط الذي طالما كانت منه في زاوية المراقب دون المشارك، فقد كان الجميع -عدا أمها- يأخذ منها خطوة إلى الخلف، ولم يكن لديها الجرأة سوى على البقاء في مكانها، أو التراجع بدورها خطوة إلى الخلف.
لقد قررت أن ترتدي بزة الغطس، لتبحر في أعماق هذا المجتمع الذي طالما كانت فيه وحيدة، مغيبة، تقف على شاطئه وغير مسموح لها بأن تمتزج بمكوناته!
في مساء اليوم الذي اتخذت فيه قرارها طلبت من أخيها الكبير (مسعود) أن يشتري لها نقابًا، كانت آنذاك في الثامنة عشرة من عمرها، وقد زادها دمامة على دمامتها حب الشباب الذي غزا وجهها، ولم يكن مسعود أخوها من النوع الذي يقف عند التفاصيل، فقد كانت تطلب منه أن يشتري لها أشياء كثيرة، لم يكن يعرف حتى استعمالات بعضها، لذا أخذ النقود التي أخذتها من أمها، وذهب وعاد بالنقاب.
كان هذا النقاب بمثابة جواز سفر في رحلتها الجديدة بالجامعة، كان هو وجهها الجديد الذي سيجعل الجميع في موقف الحياد من خلقتها، وسيعطي الفرصة لباقي الأنثى التي في داخلها أن يخرج ويثبت وجوده.
وفي اليوم الذي ارتدت فيه حليمة النقاب للمرة الأولى، غمرتها ثقة وراحة لم تكن معهودة لديها، ورمقتها أمها وهي خارجة بنظرة دافئة كسيرة بقدر ما أشجت حليمة فإنها أعطتها مزيدًا من الراحة والهدوء.  
مرت السنوات الأربع، وقد تملكها شعور بالثقة بنفسها، جلبه لها ذاك الحجاب الذي تختبئ وراءه، ذاك الحجاب الذي كان يمثل لها درعًا يقيها من سهام العيون التي لطلما أحرقت مهجتها، وأرقت مضجعها.
تخرجت حليمة من الجامعة، وآن الآوان لكي تخوض غمار تجربة جديدة، وزملاء جدد، وعالم جديد، ولا ضير في ذلك، ودرعها معها، يقيها من الغمز واللمز، وفي مكتب المحامي الذي تتدرب فيه كان لها أن تثبت وجودها.
لم يكن حسين زميلها في مكتب المحاماة من ذاك الصنف من الشباب الذين تستهويهم العلاقات مع الجنس الآخر، فقد كان كبير إخوته، ولا شاغل له سوى دراسته وقضاء طلبات أمه وأبيه، وقد تخرج من القانون وعمل في ذات المكتب الذي تعمل فيه حليمة.
في ردهات المحكمة، وأثناء التحضير للقضايا بالمكتب، كان لزامًا على الجميع مشاركة الآراء، وكان مكتب المحاماة أشبه بخلية نحل، يعمل فيه الجميع بجد ونشاط، فلم تكن ثمة علاقات داخل المكتب سوى علاقات العمل، ولم يكن ذاك البهرج الذي يعلو الجميلات، يسترعي الاهتمام، وإن كان يلفت الأنظار! فما كان يجعل الشخص محل اهتمام هو كم المعلومات القانونية التي يحيط بها، وما يحوزه من مبادئ وأحكام وقوانين كانوا يتلقفونها بشغف ونهم، وكانت حليمة أكثر الموجودات حضورًا للذهن، وطلبًا للمعلومة، لذا فقد باتت محط اهتمام الجميع، وبدت وكأنها مشرفة بالمكتب لا متدربة.
لقد غطى النقاب الدمامة، وظهرت الأنثى الذكية التي تستهوي الرجال شاخصة، لدرجة أن الغيرة بدأت تتسلل إلى نفوس الجميلات من  زميلاتها.
كان حسين شغوفًا بعمله، وهو من نوع حليمة، يعمل بدأب، لذا لم تجد سواه لتسأل وتستشير عندما تقف أمامها معضلة قانونية، وهو الآخر كان يجد نفسه مضطرًا لاستشارتها وسؤالها بين الفينة والآخرى، ومع الوقت أصبح كل منهما مكملاً للآخر، وقد استهواه فيها هدوؤها، وانكبابها على عملها، وقلة اكتراثها بمن حولها.
مع الوقت تحولت المحكمة، وردهاتها، ومكتب المحاماة إلى واحة غنّاء بالنسبة إليهما، يرف لها قلب كل منهما في الليل، ويكون اللقاء بينهما في تلك الواحة في الصباح، وفي المساء..
كان يمنعهما الحياء عن الاتصال الدائم سوى فيما يتطلبه العمل، وكانت اللقاءات والحوارات بينهما كأنها قطرات عطر تنتشي بها نفس كل منهما، وكان بروتوكول هذا العطر أن يكون التضوع منه قطرة قطرة، ودون أن يكون بالأمر تصريح ولا تلميح، فكلاهما يحدث نفسه بما يشعر به تجاه الآخر، وكلاهما يرى أن أجمل ما في الأمر أن يظل كما هو، وكلاهما واثق في أن الآخر يعلم ما يعلم، ويشعر بما يشعر، ولا حاجة لأكثر من هذا!
كان الأمر بالنسبة إلى حسين متوقفًا على قرار يتخذه للارتباط الرسمي بحليمة، وما كان حائلاً بينه وبين ذاك القرار هو إمكانياته المادية، فهو ما يزال في مستهل حياته، ومبدؤه أن التصريح بالإعجاب يعني الذهاب مباشرة إلى بيت الأسرة، والارتباط بمن يحب، لذا فقد آثر عدم التصريح ولا التلميح، ويكفي ما يشعر به من سعادة اللقاء، وحرقة الفراق.
حليمة كان الأمر بالنسبة إليها مختلفًا، فجمالها الحقيقي يقف بينه وبين ظهوره ذاك الوجه القبيح الذي دفنته بنقابها فباتت محط اهتمام وموضع غيرة ممن جمالهن مجرد قشرة تخفي قبحًا في نفوسهن.. لذا كانت ترجع إلى بيتها بنفسٍ غير تلك التي تأتي بها إلى العمل، وقد تطور الأمر إلى ما يشبه القلق، ثم الخوف، وقد بدا لكليهما أنه لا يمكن لأحدهما أن يستغني عن الآخر.
لقد كان تصريح حسين بأنه يرغب في التعرف على أسرتها، بمثابة جرس إنذار لها من أن اللعبة قد وصلت إلى نهايتها، وأن سرها الدفين قد بات عرضة للانكشاف، وأن عليها أن تلوذ للاختباء بين جموع الناس، عليها أن تختفي مؤقتًا لتظهر من جديد، وتخوض تجربة تطلق فيها جمالها وأنوثتها، على أن يظل هذا من وراء النقاب!        

                                                                الأربعاء
1/ 5/ 2019م


    
   
        

الثلاثاء، 7 أغسطس 2018

درس الإحسان من سورة يوسف


قال الله تعالى: "وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (56) وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ".
فهاتان آيتان من كتاب الله جل وعلا، من سورة يوسف عليه السلام، تلخص لنا درسًا عظيمًا من دروس هذه السورة، ومن دروس القرآن الكريم، وهذا الدرس –في نظري- هو مدار قصة يوسف عليه السلام، وحجر أساسها، ألا وهو درس الإحسان!
فالنهاية السعيدة لرحلة الشقاء التي مر بها نبي الله يوسف –عليه السلام- كانت جزاءً له على إحسانه، "وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان"!.
لقد دلّنا تكرار لفظ (المحسنين) في سورة يوسف أكثر من غيرها من سور القرآن الكريم على أن موضوع هذه السورة الإحسان، فقد تكرر لفظ المحسنين في تلك السورة خمس مرات، بينما لم يتجاوز في غيرها الثلاث مرات.
إن الإحسان مرتبةٌ يبلغها المؤمن بعمله وإخلاصه، وقد بينها النبي محمدٌ –صلى الله عليه وسلم- بما يُغني عن أي تأويل أو تفسير، حيث قال –كما في الصحيح-: "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك"، وقد تجسد هذا المفهوم للإحسان في يوسف عليه السلام، وبلغ ذروته عندما راودته التي هو في بيتها عن نفسه فاستعصم بربه حتى رأى برهانه رأي العين "كأنه يراه"، وهو قوله تعالى: "وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ".
لقد مكّن الله ليوسف في الأرض برحمته التي وسعت كل شيء، فرحمة الله ليست قاصرةً على مخلوقٍ دون آخر، بل هي شاملةٌ لكل شيءٍ، يصيب بها من يشاء كيفما يشاء وبالقدر الذي يشاء، فهي غير مشروطةٍ بعملٍ ولا اعتقاد، لكنها تصيب المحسنين حتمًا، وهذا معنى قوله تعالى: "ولا نضيع أجر المحسنين".
لقد مكّن الله ليوسف في الأرض، حتى أنه بات سيدًا مطاعًا، يتبوأ من الأرض حيث يشاء، وهذا من عظيم الأجر في الدنيا لمن أصابه الله برحمته، ولمن أحسن عملا واعتقادًا، وهذا الجزاء العظيم في الدنيا ليس بشيء إذا قورن بما ادخره الله للمحسنين المؤمنين المتقين في الآخرة، فأجر الآخرة "خيرٌ للذين آمنوا وكانوا يتقون".
والإحسان –كما أسلفنا- تجسد في سورة يوسف على نحوٍ جليَ، فيوسف –عليه السلام- مجبولٌ على الإحسان، فكان جزاؤه أن آتاه الله حكمًا وعلما، قال الله في كتابه الكريم : "وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ"، وربما يكون المقصود بالمحسنين في هذه الآية بالذات الذي اشتراه من مصر وامرأته، فهكذا يفيدنا السياق القرآني، حيث قال الله تعالى:" وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ"؛ ثم جاء قوله تعالى: "وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ" فإكرام المثوى، أي حسن التربية والتعهد بيوسف هما من إحسان تلك الأسرة، فكان جزاؤها أن بارك الله في من قاموا بتربيته، ليعود جانبٌ من النفع عليهما.
كما شهد على إحسان يوسف –عليه السلام- رفاقه في السجن، قال تعالى: "وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ". وشهد على إحسانه إخوته، وهم لا يعرفونه، حيث قالوا: "قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ".
كما علم يوسف أن الإحسان هو ما أوصله إلى ما هو فيه من مكانة، وهو قوله تعالى: "قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ".
إن وجوة الإحسان كثيرة، جماعها تعريف النبي –صلى الله عليه وسلم- له بأنه عبادة الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، والإحسان بهذا المعنى مرادف للتقوى، وهذا هو معناه الشرعي، لكننا في المعنى العام نجد بينه وبين التقوى عمومًا وخصوصًا، فالتقوى تشمل الإحسان، وقد يكون الإنسان محسنًا لكنه غير متقٍ، كما هو الحال في إحسان غير المسلمين.
إن الإحسان خلقٌ جُبل عليه الخلق، وكما في صحيح مسلم: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء" الحديث، فمن ترك الإحسان فقد ترك أمرًا من الفطرة، لذا تجده عند غير المسلمين، فالإتقان الذي يتميز به الغرب في صناعاتهم، والانضباط الذي يتميز به اليابانيون في حياتهم، والكد والعمل الجاد الذي يتميز به الصينيون، وغير ذلك هي وجوه من الإحسان، لو عملها المسلم مبتغيًا بها مرضاة الله لكان عند الله محسنًا! كما أن الإنعام على الغير إحسان، لكن الإحسان أشمل، فالإنعام يكون على الغير لا على النفس، فما كان على النفس لا يسمى إنعامًا بل هو إحسان، والنفع كذلك قد يكون إحسانًا وقد لا يكون، فقد ينتفع المرء بخطأ عدوه، ولا يُسمى هذا إحسانًا، أما نفع الصديق والقريب فهو من قبيل الإحسان.
خلاصة الدرس: أن الإحسان خلق من أخلاق الفطرة، لا تستقيم الحياة بدونه، وهو عند المسلمين مرادفٌ للتقوى، فهو ليس مجرد خلق بل هو دين، يرتجي العبد به مرضاة ربه، ويخشى بتركه سخط ربه وعقابه، لذا فالمسلمون أولى الناس بهذا الخلق، وكان من المفترض أنهم أكثر أهل الأرض تمسكًا به.
ونختم الدرس بسؤال: لماذا أحسن غير المسلمين، فبلغنا إحسانهم؟ بينما تراجعنا فلم يصل من سيرتنا سوى ما يندى له الجبين؟!!!
   
       

الخميس، 19 أبريل 2018

من نكت القرآن الكريم

من نكت القرآن الكريم
يوم القيامة ؛ لا يؤخذ العدل ولا يقبل، ولا تُقبل الشفاعة ولا تنفع
قال تعالى:
(وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ)، [سورة البقرة 48].
وقال في موضعٍ آخر من ذات السورة:
(وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ).
فالآيتان تكررتا مع اختلافٍ يسير، وبمجموعهما فإن المعنى المراد:
 اتقوا يوم القيامة الذي لا يُؤخذ العدل فيه أي الفداء، ولا يُقبل. كما لا تقبل فيه الشفاعة ولا تنفع!
وقد خصصت هاتان الآيتان بأحاديث الشفاعة الثابتة لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم دون غيره. والله أعلم.
د. عبد المجيد قاسم
         2018م