الثلاثاء، 7 أغسطس 2018

درس الإحسان من سورة يوسف


قال الله تعالى: "وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (56) وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ".
فهاتان آيتان من كتاب الله جل وعلا، من سورة يوسف عليه السلام، تلخص لنا درسًا عظيمًا من دروس هذه السورة، ومن دروس القرآن الكريم، وهذا الدرس –في نظري- هو مدار قصة يوسف عليه السلام، وحجر أساسها، ألا وهو درس الإحسان!
فالنهاية السعيدة لرحلة الشقاء التي مر بها نبي الله يوسف –عليه السلام- كانت جزاءً له على إحسانه، "وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان"!.
لقد دلّنا تكرار لفظ (المحسنين) في سورة يوسف أكثر من غيرها من سور القرآن الكريم على أن موضوع هذه السورة الإحسان، فقد تكرر لفظ المحسنين في تلك السورة خمس مرات، بينما لم يتجاوز في غيرها الثلاث مرات.
إن الإحسان مرتبةٌ يبلغها المؤمن بعمله وإخلاصه، وقد بينها النبي محمدٌ –صلى الله عليه وسلم- بما يُغني عن أي تأويل أو تفسير، حيث قال –كما في الصحيح-: "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك"، وقد تجسد هذا المفهوم للإحسان في يوسف عليه السلام، وبلغ ذروته عندما راودته التي هو في بيتها عن نفسه فاستعصم بربه حتى رأى برهانه رأي العين "كأنه يراه"، وهو قوله تعالى: "وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ".
لقد مكّن الله ليوسف في الأرض برحمته التي وسعت كل شيء، فرحمة الله ليست قاصرةً على مخلوقٍ دون آخر، بل هي شاملةٌ لكل شيءٍ، يصيب بها من يشاء كيفما يشاء وبالقدر الذي يشاء، فهي غير مشروطةٍ بعملٍ ولا اعتقاد، لكنها تصيب المحسنين حتمًا، وهذا معنى قوله تعالى: "ولا نضيع أجر المحسنين".
لقد مكّن الله ليوسف في الأرض، حتى أنه بات سيدًا مطاعًا، يتبوأ من الأرض حيث يشاء، وهذا من عظيم الأجر في الدنيا لمن أصابه الله برحمته، ولمن أحسن عملا واعتقادًا، وهذا الجزاء العظيم في الدنيا ليس بشيء إذا قورن بما ادخره الله للمحسنين المؤمنين المتقين في الآخرة، فأجر الآخرة "خيرٌ للذين آمنوا وكانوا يتقون".
والإحسان –كما أسلفنا- تجسد في سورة يوسف على نحوٍ جليَ، فيوسف –عليه السلام- مجبولٌ على الإحسان، فكان جزاؤه أن آتاه الله حكمًا وعلما، قال الله في كتابه الكريم : "وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ"، وربما يكون المقصود بالمحسنين في هذه الآية بالذات الذي اشتراه من مصر وامرأته، فهكذا يفيدنا السياق القرآني، حيث قال الله تعالى:" وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ"؛ ثم جاء قوله تعالى: "وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ" فإكرام المثوى، أي حسن التربية والتعهد بيوسف هما من إحسان تلك الأسرة، فكان جزاؤها أن بارك الله في من قاموا بتربيته، ليعود جانبٌ من النفع عليهما.
كما شهد على إحسان يوسف –عليه السلام- رفاقه في السجن، قال تعالى: "وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ". وشهد على إحسانه إخوته، وهم لا يعرفونه، حيث قالوا: "قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ".
كما علم يوسف أن الإحسان هو ما أوصله إلى ما هو فيه من مكانة، وهو قوله تعالى: "قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ".
إن وجوة الإحسان كثيرة، جماعها تعريف النبي –صلى الله عليه وسلم- له بأنه عبادة الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، والإحسان بهذا المعنى مرادف للتقوى، وهذا هو معناه الشرعي، لكننا في المعنى العام نجد بينه وبين التقوى عمومًا وخصوصًا، فالتقوى تشمل الإحسان، وقد يكون الإنسان محسنًا لكنه غير متقٍ، كما هو الحال في إحسان غير المسلمين.
إن الإحسان خلقٌ جُبل عليه الخلق، وكما في صحيح مسلم: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء" الحديث، فمن ترك الإحسان فقد ترك أمرًا من الفطرة، لذا تجده عند غير المسلمين، فالإتقان الذي يتميز به الغرب في صناعاتهم، والانضباط الذي يتميز به اليابانيون في حياتهم، والكد والعمل الجاد الذي يتميز به الصينيون، وغير ذلك هي وجوه من الإحسان، لو عملها المسلم مبتغيًا بها مرضاة الله لكان عند الله محسنًا! كما أن الإنعام على الغير إحسان، لكن الإحسان أشمل، فالإنعام يكون على الغير لا على النفس، فما كان على النفس لا يسمى إنعامًا بل هو إحسان، والنفع كذلك قد يكون إحسانًا وقد لا يكون، فقد ينتفع المرء بخطأ عدوه، ولا يُسمى هذا إحسانًا، أما نفع الصديق والقريب فهو من قبيل الإحسان.
خلاصة الدرس: أن الإحسان خلق من أخلاق الفطرة، لا تستقيم الحياة بدونه، وهو عند المسلمين مرادفٌ للتقوى، فهو ليس مجرد خلق بل هو دين، يرتجي العبد به مرضاة ربه، ويخشى بتركه سخط ربه وعقابه، لذا فالمسلمون أولى الناس بهذا الخلق، وكان من المفترض أنهم أكثر أهل الأرض تمسكًا به.
ونختم الدرس بسؤال: لماذا أحسن غير المسلمين، فبلغنا إحسانهم؟ بينما تراجعنا فلم يصل من سيرتنا سوى ما يندى له الجبين؟!!!
   
       

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق